قَدَرٌ فِي الشَّرْق: مِنْ فِكْرِ كَمَالٍ إِلَى إِرْثِ تَيْمُور… هَلْ تَغَلَّبَتِ السُّلَالَةُ عَلَى الْفِكْرِ؟
أدهم رضوان

في لبنان، لا تُكتب المذكرات السياسية عادةً بعد انتهاء التجربة، بل تُكتب في لحظات التحول الكبرى لإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية ورسم حدود المرحلة المقبلة. فهي ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما أداة لإنتاج الشرعية، وإعادة توزيع المسؤوليات، وصياغة روايةٍ جديدة تُبرّر الحاضر وتُمهّد للمستقبل. ومن هنا، تصبح المذكرات امتداداً للعمل السياسي بوسائل ثقافية، وتتحول الكلمة إلى فعلٍ لا يقل تأثيراً عن القرار أو التحالف.
ولعلّ التجربة الجنبلاطية تُعدّ من أكثر التجارب اللبنانية قدرةً على إعادة إنتاج نفسها عبر تبدّل الأزمنة والاصطفافات. فمنذ كمال جنبلاط، لم تكن المختارة مجرد بيتٍ سياسي أو زعامةٍ درزية، بل مشروعاً فكرياً حمل شعارات العروبة والإصلاح والاشتراكية، وانفتح على الحركة الوطنية اللبنانية والقضية الفلسطينية، وأراد أن يجعل من الطائفة جسراً نحو الدولة لا بديلاً عنها. غير أنّ اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 أدخل هذا المشروع في مسارٍ مختلف، إذ انتقلت الأولوية تدريجياً من حماية الفكرة إلى حماية الزعامة، ومن بناء المشروع الوطني إلى إدارة التوازنات الداخلية والإقليمية، حتى باتت البراغماتية السياسية السمة الأكثر حضوراً في التجربة التي قادها وليد جنبلاط طوال ما يقارب نصف قرن.
وفي هذا السياق، تأتي مذكرات وليد جنبلاط الصادرة باللغة الفرنسية بعنوان «Un Destin au Levant»، لا باعتبارها مجرد سيرة ذاتية أو مراجعة نقدية لمسيرة سياسية طويلة، بل باعتبارها نصاً سياسياً موجهاً إلى جمهور خارجي، يسعى إلى إعادة صياغة الرواية الجنبلاطية بما يتلاءم مع التحولات الدولية والإقليمية، ويمنح الوريث السياسي، تيمور جنبلاط، سردية جديدة أكثر قبولاً لدى الغرب والخليج.
إن الكتاب لا يقرأ الماضي بقدر ما يعيد ترتيبه. فهو لا يقدم تسلسلاً تاريخياً محايداً، بل يمارس ما يمكن تسميته “هندسة الذاكرة السياسية”، حيث تُنتقى الأحداث، وتُخفف أخرى، وتُبرز شخصيات، فيما تُهمش أخرى، بما يخدم إعادة تعريف الدور التاريخي للمختارة في الوعي اللبناني والإقليمي.
وفي هذا الإطار، تبدو استعارة عنوان «قدر في الشرق» امتداداً واعياً للخيال الاستشراقي الفرنسي الذي صاغه ألفونس دو لامارتين في «رحلة إلى الشرق». فوليـد جنبلاط لا يكتب بلغة الداخل اللبناني بقدر ما يكتب بلغة الدبلوماسية الثقافية الغربية، مقدماً المختارة بوصفها مركزاً ثابتاً لحماية التوازنات الجبلية والطائفية، لا باعتبارها قيادة لحزب تقدمي عابر للطوائف. إنه يعيد إنتاج صورة “أمير الجبل” الذي يحمل رسالة الاستقرار في شرقٍ مضطرب، ويمنح الزعامة الجنبلاطية بعداً يكاد يبدو قدرياً، وكأن قيادة المختارة ليست نتاجاً لصراعات السياسة، بل استحقاقاً تاريخياً متوارثاً.
ومن اللافت أن الكتاب يختزل بصورة واضحة البيئة الفكرية والسياسية التي صنعت صعود كمال جنبلاط. فالحركة الوطنية اللبنانية، التي شكلت الإطار السياسي الأوسع للمشروع الجنبلاطي، تمر مروراً عابراً، كما يُختصر دور شخصيات محورية مثل جورج حاوي ومحسن إبراهيم في إشارات مقتضبة، بما يُفضي إلى إظهار المختارة وكأنها المصدر الوحيد للفعل السياسي، لا جزءاً من مشروع وطني واسع شاركت في بنائه قوى يسارية وقومية ونقابية وفلسطينية.
ولا يقتصر هذا الاختزال على الداخل اللبناني، بل يمتد إلى إسقاط التأثير العميق للمد القومي العربي، ولدور المقاومة الفلسطينية، وللتحولات الإقليمية التي أسهمت في تضخيم الدور السياسي للمختارة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وفي المقابل، يبرز نقد التجربة الناصرية والأنظمة العربية بصيغة تتوافق مع المزاج السياسي السائد في الغرب وبعض العواصم الخليجية، بما يمنح السردية الجديدة طابعاً أكثر انسجاماً مع البيئة الدولية الراهنة.
أما العلاقة مع سوريا، فتُقدَّم ضمن قراءة تبدأ عملياً من لحظة الصدام، وتتوسع بعد عام 2005، بينما تتراجع إلى الخلف مرحلة طويلة كان فيها وليد جنبلاط أحد أبرز أعمدة النظام السياسي الذي رعته دمشق بعد اتفاق الطائف، وتمتع خلالها بنفوذ استثنائي جعله يوصف في أحيان كثيرة بـ”الرئيس غير المتوج”. وهنا يبدو الانتقاء التاريخي واضحاً؛ إذ تُستحضر لحظات القطيعة، فيما تُهمَّش سنوات الشراكة والتفاهم التي أسهمت في تكريس موقع المختارة داخل النظام اللبناني.
في المقابل، تحظى مصالحة الجبل مع البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، والعلاقة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بمساحة واسعة، بوصفهما ركيزتين لإعادة تعريف الدور الجنبلاطي في مرحلة ما بعد الحرب، حيث يصبح الاستقرار الداخلي، والطائف بوصفه إطاراً نهائياً لتنظيم السلطة، العنوان الأساسي للشرعية السياسية الجديدة.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه وثيقة انتقال سياسي أكثر منه مذكرات شخصية. فهو يسعى إلى تقديم تيمور جنبلاط باعتباره زعيماً مدنياً معتدلاً، غير مثقل بإرث الحرب، ولا بتحالفات الحرب الباردة، ولا بعلاقات اليسار العالمي، بل شخصية تتلاءم مع معايير الدبلوماسية الحديثة، وقادرة على مخاطبة الغرب والخليج بلغة المؤسسات والاستقرار.
غير أن السؤال الأعمق الذي يتركه الكتاب معلقاً هو: هل تستطيع الزعامة الجنبلاطية أن تستمر إذا جُرّدت من مشروعها الفكري الذي أسسه كمال جنبلاط؟ وهل يكفي الاعتراف الخارجي لإنتاج شرعية داخلية في مجتمعٍ كلبنان، أم أن الزعامات التاريخية لا تستمر إلا حين تجمع بين الفكرة والرمزية والقدرة على التأثير الشعبي؟
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن فيما يرويه، بل فيما يختار ألا يرويه. فهو لا يعيد كتابة سيرة وليد جنبلاط فحسب، بل يعيد تعريف معنى المختارة نفسها؛ من فضاءٍ كان يطمح إلى قيادة مشروع وطني تغييري، إلى بيتٍ سياسي يسعى إلى ضمان استمرارية السلالة داخل نظام الطوائف. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فبينما حمل كمال جنبلاط مشروعاً يتجاوز العائلة والطائفة، يبدو أن السردية الجديدة تنتهي إلى تثبيت العائلة بوصفها المشروع، وتقديم الوريث بوصفه الغاية، لا الامتداد الفكري للتجربة.
وبذلك، لا يبدو «قدر في الشرق» مجرد مذكرات سياسية، بل وثيقة لإعادة هندسة الذاكرة، تنتقل فيها الجنبلاطية من شرعية الفكرة إلى شرعية الإرث، ومن الحزب إلى البيت، ومن المشروع الوطني إلى استمرارية السلالة السياسية. وفي هذا التحول، قد يكون السؤال الأهم ليس ما الذي أراد وليد جنبلاط أن يتذكره، بل ما الذي أراد للبنانيين وللعالم أن ينسوه.



